أدب عربي معاصر

ترجمة أدبية من الشعر والقصصي العربي

إبراهيم أصلان

بحيرة المساء

-ما هذا؟ رد الآخر:
-دو يك!
-دو يك؟
-آه
-ولماذا لا تعلب شيش بيش؟
-لأن الزهر كان دو يك ولم يكن شيش بيش
قال الرجل:
-إن تخضير مقبرة أخرى يتكلف حوالى مائتي جنيه. تصور!
-شيش بيش
قلت:
-هل ماتوا من مدة طويلة؟
-دو.. يك
-من مدة طويلة جدا
-شيش بيش
-دو يك أم شيش بيش؟
-في الحقيقة لم أرها
قال الرجل:
-كنت أريد أن أنقلهم إلى مقبرة أخرى. ولكن ذلك يتكلف حوالى مائتي جنية
-أعدها ثانية مادمت لم ترها
-أنت لن تعرفهم على أي حال
اختلجت قسمات وجهه، ثم ابتسم وقال:
-كيف؟

ولم يكن الرجل على مقعده، بل كان واقفا هناك على الشاطئ في أعلى الجسر المنحدر، وكأنه جزء من الركود الرمادي الذي ذابت فيه المنطقة. تأملته طويلا. لم يصدر عنه أية حركة. كان فقط واقفا يتبول، وساقاه منفر جتان، ورأسه مدلى إلى أسفل

-أقصد إنهم ماداموا قد ماتوا من مدة طويلة كما تقول، فأنت لن تجد منهم شيئا
بذل جهدا واضحا كيما يحتفظ بابتسمته الشاحبا، وهم بالكلام ولكنه عاد وعدل عنه
كنت أشعر بالخدر. وكان يضايقني أكثر أن جسدي كان لزجا. في نافذة أحد البيوت المقابلة ظهر رجل يرتدي فانلة قصيرة الأكمام. بعد قليل أطل وجه امرأة من فوق كتفه. لم يبد على جاري أنه رآههم. سمعته يقول شيئا. عندما التفت إليه كانت نظراته الواهنة تنفذ من خلالي في طريقها إلى شيء بعيد. قال العازف:
-ضروري.. ضروري
-أمازلت تفكر؟
حاول الرجل أن يعطيني كوبا من البيرة ولكني رفضت
قال:
-أنا الوحيد الذي تبقى من العائلة كلها
-لا تلمس الزهر. أتراه؟ بنج.. دو
قال الرجل:
-كنت أزورهم في المواسم كلها، وكنت أزورهم أيضا في الأيام العادي
-هيا بنا
قلت:
-هيا
قال أحد اللاعبين:
-انتظروا، إنه آخر دور
-ستة وثلاثون عاما. أين ذهبت يا أخي؟
-ها هي، شيش بيش، أرأيت؟
-خظك يا عم
قال الرجل:
-ولكن، ماذا سيفعلون في هذه الحالة؟ ماذا سيفعلون؟
-أي حالة؟
-هناك من لن يتمكنوا من نقل موتاهم طبعا. أليس كذلك؟
-أعتقد
-في هذه الحالة، ماذا سيفعلون؟
-سمعت آخر نكتة؟
-سمعتها
قلت:
-وكيف أعرف؟
ظهر عليه الحجل. فال:
-أقضد هل سيزيلون هذه المقابر. صاحب المنزل قال لي إنه لا يعرف ما الذي سيفعلون في الأرض. قال إنه لا يعرف
قلت:
-وماذا في هذا؟
ابتلع ريقه. واستطعت أن أرى عظمة حلقه وهي تتحرك إلى أعلى وأسفل. قال:
-صحيح
سمعت صوت الطاولة وهي تعلق. وبينما نحن في انتظار الجرسون الذي كان يعبر الشارع في طريقه إلينا، همس الرجل وهو يتعلق بعيني وأنا أقوم من جواره:
-لو كنت أملك مائتي جنيه لنقلتهم غلى مقبرة أخرى حتى أستطيع زيارتهم
ابتسمت في وجهه. وصافحني العازف بحرارة. وقد كان طريقهم جميعا مغايرا لطريقنا، فقد اكتفوا بأن هزوا لي رؤوسم. وعندما هبطت من على الطوار كان الرجل والمرأة قد اختفيا من النافذة، بينما كان الجرسون يضع أمام الرجل زجاجة أخرى من البيرة، وما إن ابتعدنا قليلا أنا وصديقي، ختى قال لي:
-ماذا قال لك؟
-من؟
-هذه الرجل
-لماذا؟
-إنه مجنون
-كيف؟
-ألم يحدثك عن المقابر التي ستزال، وعائلته التي لن يتمكن من زيارتها؟
-نعم
-إنه لم يترك أحدا إلا قص عليه هذه الحكاية. هل تعتقد أننا تأخرنا؟
وهنا تذكرت أننى لم أودع الرجل. فالتفت خلفي محاولا أن ألقى عليه نظرة أخيرة. كان الشاطئ خاليا تماما. وجدت السماء صافية والقمر غائرا فيها، والجرسون واقفا في الضوء المنبعث من مدخل المقهى يفرغ المياه بإناء صغير من الثلاجة الكبيرة الباهتة التي كانت موضوعة تحت شجرة متوسطة الحجم. وراحت المياه التي يلقى بها تكون بحيرة صغيرة في حضن الطوار
ولم يكن الرجل على مقعده، بل كان واقفا هناك على الشاطئ في أعلى الجسر المنحدر، وكأنه جزء من الركود الرمادي الذي ذابت فيه المنطقة. تأملته طويلا. لم يصدر عنه أية حركة. كان فقط واقفا يتبول، وساقاه منفر جتان، ورأسه مدلى إلى أسفل

إبراهيم أصلان، بحيرة المساء، دار الشروق،2005

validator w3

© 2010 Manuel Jiménez Lucena