أدب عربي معاصر

ترجمة أدبية من الشعر والقصصي العربي

سلوى بكر

فهرس بالإسبانية اتصل بنا

هلات سوداء أسفل العينين

قطعة

عندما أفكر لماذا سارعت بإقراضها المبلغ أقول لنفسي، إن هذا الربع كان بمثابة عربون مودة من طرفي، ومحاولة لاختراق المستحيل الكامن فيها، كما كنت أرى وقتها، لكن هيهات مثلما يقولون، فقد ظلت كما كانت دوما: باردة الحسّ، جافّة الكلام شحيحته، لا تبتسم أبدا، لها الهالات السوداء العميقة دوما أسفل عينيها الداكنتين، ذات النظرات المترفعة أو الساخطة المرسلة بعيدا، وكأنها تستخسر النظر في الواقف أمامها أو محدثها، وقد اضطرت للحديث
وقد تأكدت أن لا أمل في مودتها، ولا رجاء في لين مشاعرها، بعد ذلك اليوم البعيد الذي قتل فيها الأفريقي لومومبا، فقد كانت هي الوحيدة بفصلنا التي لم تذرف دمعة واحدة عليه، بينما بكينا جميعا، بل وهاج بعضنا وصرخن، خصوصا وقد رأينا صورة امرأته اطل علينا من الصحف، عارية الصدر، تسير بين أطفالها بثديين متدليين حتى قرب سرتها، وكنا لم نر شيئا مثل هذه من قبل، وهذه الواقعة هي التي حسمت أمرها بالنسبة لنا، إذ ظلت رغم كل ذلك الحزن الصاخب المحتج حولها، جالسة بهدوء على مقعدها المدرسي، منهمكة في عمل واجب التاريخ، مفضلة ذلك على مشاركتنا غضبنا على تشومبي القاتل الخائن الذي رحنا نلعن سافل سافلين جدوده، منددين بالاستعمار وداعين لأفريقيا السوداء بأن تعيش.

سلوى بكر، شعور والاسلاف، مكتبة مدبولي، القاهرة ، 2003

validator w3