ترجمة أدبية من الشعر والقصصي العربي
حنّا مينة
هذه ما بقي منه
قطعة
فعل ذلك بصعوبة أكثر، مستشعراََ حرقة في حنجرته لم يستطع أن معها الكلام. ابتعد عن السرير متظاهراَ بأنه يسرّح النظر في أبنية لندن القديمة، المنبسطة سطوحها ذات المداخن أمامه. كان يجاهد كي يتماسك فلا ينفجر بالبكاء، أو لا تغدره دمعة فتسقط من عينيه وتشي بحقيقة ما سمع. وكان على شك من قدرته على هذا التماسك، فهو يتهرب متجنباََ النظر في عيني صبيته الصغيرة، راغباَ في الفرار من المستشفى كله، والسير حيث تقوده قدماه، أو الجلوس في حانة واغراق حزنه بالشراب
قال في نفسه وهو يزفر كاتماَ زفرته
-علي أن أحتمل. لست امرأة على كل حال. عار على الرجل أن يبكي
وحوال أن يغيب في الاعماق مشاعره الحزينة، وان يتسلى بالنظر فيما أمامه من
مناظر
السماء رمادية، توشك أن تمطر، المداخن مشرعة الدخان، كسفن متراصة في مرفأ وينفث الدخان تأهباَ للرحيل. وجو قابض للنفس يهيء المشاعر للاندماج في الحزن، بينما هو يريد الانفكاك منه. يجاهد تتراخى أوتار حنجرته اللعينة التي تهدّج صوته تبعث بتيار حار الى الدماغ وأعصاب العينين
قال في نفسه اللعنة عليّ كم أنا ضعيف
وقال أيضا يا اللّه! لماذا خلقتني ضعيفاَ رقيقاَ الى هذا الحد؟
وتساءل أيهما أقسى، أن يتبلّغ الانسان حكماَ بموته أم بموت ولده؟
مفض. أخيراََ، كل هذا التساؤل المعذَب وقال: لست أدري... لماذا أعذب نفسي بالدوران على محور أفكاري الحزينة؟ لقد تبلّغت الحكم وكفى... الطبيب فال لي انها ستموت، وأنا، الان، أعرف أنها ستموت، لكن هي يجب ألا تعرف
استدار عن الجدار الزجاجي ونظر إليها. انها فرحة، مطمئنا، واثقة أن كل شيء على ما يرام. لقد أخرج الطبيب، كما قال لها، ذلك الشيء الصغير من ظهرها، وانتهت العملية بنجاح، ولم يبق الا أيام وتشفى
قال في سره وهو يواجهها آه لو كان في وسعي أن أفديك يا حبيبتي
وقال لماذا لا يقبل عزرائيل الفدية؟
وقال لو كنت أرحل أنا وتبقى هي؟
حنا مينه، الأبنو سة البيضاء، دار الأداب، الطبعة الساد سة، بيروت، 1997