أدب عربي معاصر

ترجمة أدبية من الشعر والقصصي العربي

زكريا تامر

دمشق

في قديم الزمان، كان يحيا رجل معوز ذو وجه يشبه أرضا لم يهطل فوقها مطر منذ أعوام كثيرة، وقد قال يوما للبحر بصوت متهدج حزين: كأنك أمرت أمساكك بالاختفاء، فأنا ألقي شباكي في مياهك طوال أسبوع وأسحبها خاوية
فقال البحر له: إذا أردت الحصول على أسماكي، فينبغي لك أن تدفع لي ثمنها أولا
فبهت الرجل، فقال البحر له متسائلا بسخرية: لماذا لا تجاوب؟
قال الرجل: لم أجاوب لأنك أدهشتني، فهذه أول مرة أسمع بحرا يتكلم كما يتكلم البشر
قال البحر: حين يتعلق الأمر بالمال، فأنا أتكلم وبشتى اللغات
قال الرجل متوسلا. أنا كما تعلم رحل فقير ولا أملك أي مال، وطعامي أحصل عليه بصعوبة بعد أن أبيع ما أصيده من سمك

قال الصوت: أنا الذى يتكلم
قال الرجل. وأين أنت؟
قال الصوت: أنا أقف قريبا منك، ولكنك لن يستطيع أن ترأي
قال الرجل وقد تزايد خوفه. ومن أنت وماذا تريد مني؟
قال الصوت: أنا خادم هذا السيف الذى تمسكه الآن بيدك، وما دمت قد صرت مالكا له، فيحق لك أن تطلب أمنية واحدة فقط، وحين أنفذه تعود اليّ حريتي، فلا أراك ولا تسمع صوتي ثانية

قال البحر: لا يعنيني أن تكون فقيرا أو غنيا. إذا لم تدفع، فلن تنل إلا مائي المالح
قال الرجل للبحر بلهجة عتاب: أهكذا تعامل أصدقاءك؟ ألم أكن دائما صديقك الذي يحبك؟ أنسيت أني هجرت أهلي وبلدي من أجلك وجئت للعيش على شطائك؟ أيرضيك أن يجوع صديقك ويذل؟
ولم يأبه البحر له، وظل مصرا على عدم منحه أي سمكة، فلم يحتمل الرجل الجوع، واضطر الى الرحيل بعيدا عن البحر آسفا غاضبا، وسار أياما في أرض لم يقابل فيها أي مخلوق حي، وفجأة لمح سيفا عتيقا ملقى على الأرض، فانحنى، وأمسكه، وتأمله، فألفاه صدئا ملطحا بالأوساخ، فقال لنفسه: أنا أحتاج الى طعام لا الى سيف. وإذا كنت سعيد الحظ وجدت من يستريه بثمن معقول
وشرع في تنطيف السيف، فبلغ سمعه صوت يقول:اطلع تعط
فتطلع الرجل فيما حوله، فلم يبصر أحدا، واستأنف تنطيفه للسيف. وبعد لحظات سمع الصوت نفسه يقول وقد ازداد قربا. أأنت أصم؟ ألم تسمع ما قلته لك؟ قلت: أطلب تعط، فلماذا لا تطلب؟
قال الرجل متسائلا بخوف: من المتكلم؟
قال الصوت: أنا الذى يتكلم
قال الرجل. وأين أنت؟
قال الصوت: أنا أقف قريبا منك، ولكنك لن يستطيع أن ترأي
قال الرجل وقد تزايد خوفه. ومن أنت وماذا تريد مني؟
قال الصوت: أنا خادم هذا السيف الذى تمسكه الآن بيدك، وما دمت قد صرت مالكا له، فيحق لك أن تطلب أمنية واحدة فقط، وحين أنفذه تعود اليّ حريتي، فلا أراك ولا تسمع صوتي ثانية
قال الرجل بخيرة: هل أفهم من كلامك انك ستحقق لي كل ما أطلبه؟
قال الصوت: سأحقق لك مطلبا واحدا فقط، فهيا اطلب ما تشاء
....

زكريا تامر. نداء نوح. رياض الريس والنشر، بيروت، 1994

validator w3

© 2010 Manuel Jiménez Lucena