ترجمة أدبية من الشعر والقصصي العربي
الطيّب صالح
منسي، إنسان نادر على طريقته
قطعة
لما بلغني بنأ وفاته، اتصلت بداره في "ثاتشبري" في ضواحي "ساوثهامبتون" بإنجلترا.
أجابني صوت أميركي لشاب، هو ابنه الأكبر "سايمون" علمت منه أن الموت أخذ أباه على
حين غرّة وهو في أوج الصحة والعافية، فأصيب بسرطان الكبد الذي قضى عليه حلال
أسابيع، وكنت وقتها في السودان. ثم خطر لي أن أسأله كيف دفن أبوه فأخبرني أنهم لم
يدفنوه بعد، وكان قد مضى على موته نحو عشرة أيام، وأنهم ينتظرون أن تتم الإجراءات
لحرق جثمانه
قلت له: ولكن أباك رجل مسلم، وحرق الجثمان محرم عند المسلمين
فأجابني "نحن لا نعلم عن إسلامه شيئاََ. الذي نعلمه أن والدنا كان مسيحياََ، وكان يقول لنا
"حين أموت أحرقوا جثماني".
قلت له: اسمع. لا يوجد أدنى شك أن أباك كان مسلماََ، وأنا شاهد على ذلك. إنه أمر خطير
أن تحرقوا جثمان رجل مسلم. وتذكر أن أباك خلف أرملة مسلمة ولكم منها أخ مسلم. إذا
قلتم إنه لم يكن مسلماََ فمعنى هذا أن زواجه هذا كان باطلاََ
اتصلت بزوجته في الرياض فاستغاثت بوزارة الخارجية السعودية التي سارعت بالتدخل،
فحسم الأمر، ودفن "منسي" -كما كنا نسميه- كمسلم، وأقيمت عليه شعائر المسلمين،
وذلك بعد نحو شهر من موته. ومع ذلك نشرت صحيفة "الأهرام" أن أهله في مصر أقاموا
القدّاس على روحه في الكنيسة القبطية. ورغم حزني عليه فقد ضحكت. قلت هكذا
"منسي" لغز في حياته ولغز في مماته. لقد أربك الناس حوله وهو هي، وها هو يربكهم وهو
ميت. كانت الحياة بالنسبة له، نكتة كبيرة، وضحكة متصلة لا تنقطع. كانت الحياة،
سلسلة من شغل الحلبسة كما كان يقول
قبل أن تتوثق صلتي به في تلك الأيام، زارني ذات يوم في داري، وكان يسكن مني غير بعيد
في حي "فلهام" وأنا في حي "ساوث كنزنجتون". قدم لي زوج جوارب من نوع رخيص. قلت
له
"ما هذا؟"
"هدية"
"وما هي المناسبة؟"
:قال ضاحكاََ
"بمناسبة عيد ميلادك"
"أي عيد ميلاد؟ يا أخي اليوم ليس عيد ميلادي. وافرض أنه عيد ميلادي. هذه رشوة"
:قال ضاحكا
"...يعني "
"الله يخيبك. يعني حين تريد أن ترشوني، تعطيني رشوة لا تزيد قيمتها عن شلنين؟"
لم يبد عليه أي شعور بالحرج، وقد كانت تلك ميزاته الكبرى في الحياة، أنه لا يخجل ولا
يهاب ولا يبالي ولا يحس بالخرج. قال لي وهو يضحك من أعماق قلبه، بطريقة طفولية
كانت من مقومات جاذبيته:
"قلت اجرب. مين عارف؟
لكننا أصبحنا صديقين حميمين بعد ذلك، بل إنني من بين سائر أصدقائنا المشترقين،
أصبحت بمثابة "أب روحي" له، رغم أننا كنا من سن واحدة، ربما لأن الآخرين، عبد المنعم
الرفاعي، وأكرم صالح، وعبد الحي عبد الله، و نديم صوالحة وغيرهم، كانوا، على حبهم له،
يعاملونه بفظاظة، ولا يأخذونه مأخذ الجد
Riad el-Rayyes Books S.A.R.L. الطبعة الأولى: تشرين الثاني/ نوفمبر 2003